صديق الحسيني القنوجي البخاري

276

فتح البيان في مقاصد القرآن

صلى اللّه عليه وسلم ، والكتاب القرآن والتعريف للعهد والتعريف في الكتاب الثاني للجنس أي أنزلنا إليك يا محمد القرآن حال كونه متلبسا بالحق ، وحال كونه مصدقا لما بين يديه من كتب اللّه المنزّلة لكونه مشتملا على الدعوة إلى اللّه والأمر بالخير والنهي عن الشر ، كما اشتملت عليه . وأما ما يتراءى من مخالفته في بعض جزئيات الأحكام المتغيرة بسبب تغير الأعصار ، فليس بمخالفة في الحقيقة ، بل هي موافقة لها من حيث إن كلا من تلك الأحكام حق بالإضافة إلى عصره ، متضمن للحكمة التي يدور عليها أمر الشريعة ، وليس في المتقدم دلالة على أبدية أحكامه المنسوخة حتى يخالفه الناسخ المتأخر ، وإنما يدل على مشروعيتها مطلقا من غير تعرض لبقائها وزوالها بل نقول هو ناطق بزوالها لما أن النطق بصحة ما ينسخها نطق بنسخها وزوالها . وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ الضمير عائد إلى الكتاب الذي صدقه القرآن وهيمن عليه ، والمهيمن الرقيب ، وقيل الغالب المرتفع ، وقيل الشاهد ، وقيل الحافظ ، وقيل المؤتمن . قال المبرد : أصله مؤيمن أبدل من الهمزة هاء كما قيل في أرقت الماء هرقت وبه قال الزجاج وأبو علي الفارسي ، قال الجوهري : هو من آمن غيره من الخوف . وأصله أأمن فهو مأأمن ، يقال هيمن على الشيء يهيمن إذا كان له حافظا فهو له مهيمن ، كذا عن أبي عبيد . وقرأ مجاهد وابن محيصن مهيمنا بفتح الميم أي هيمن عليه اللّه سبحانه ، والمعنى على قراءة الجمهور أن القرآن صار شاهدا بصحة الكتب المنزلة ومقررا لما فيها مما لم ينسخ ، وناسخا لما خالفه منها ، ورقيبا عليها وحافظا لما فيها من أصول الشرائع ، وغالبا لها لكونه المرجع في المحكم منها والمنسوخ ، ومؤتمنا عليها لكونه مشتملا على ما هو معمول به منها وما هو متروك . فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أي بين أهل الكتاب عند تحاكمهم إليك ، وتقديم بينهم للاعتناء ببيان تعميم الحكم لهم بِما أَنْزَلَ اللَّهُ أي بما أنزله إليك في القرآن لاشتماله على جميع ما شرعه اللّه لعباده في جميع الكتب السابقة عليه ، والالتفات بإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة والإشعار بعلة الحكم . وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ أي أهواء أهل الملل السابقة ، وقال ابن عباس : لا تأخذ بأهوائهم في جلد المحصن عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ أي لا تعدل أو لا تنحرف عما جاءك من الحق متبعا لأهوائهم أو لا تتبع أهواءهم عادلا أو منحرفا عن الحق . وفيه النهي له صلى اللّه عليه وآله وسلم عن أن يتبع أهوية أهل الكتاب ويعدل عن الحق الذي أنزله اللّه عليه ، فإن كل ملة من الملل تهوى أن يكون الأمر على ما هم عليه وما